محمد بن جرير الطبري

365

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لكم ما يلزمكم لأَزواجكم ويلزم أزواجكم لكم أيها المؤمنون ، وعرفتكم أحكامي والحق الواجب لبعضكم على بعض في هذه الآيات ، فكذلك أبين لكم سائر الأَحكام في آياتي التي أنزلتها على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب ، لتعقلوا أيها المؤمنون بي وبرسولي حدودي ، فتفهموا اللازم لكم من فرائضي ، وتعرفوا بذلك ما فيه صلاح دينكم ودنياكم وعاجلكم وآجلكم ، فتعلموا به ، ليصلح ذات بينكم وتنالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ يعني تعالى ذكره : أَ لَمْ تَرَ ألم تعلم يا محمد . وهو من رؤية القلب لا رؤية العين ؛ لأَن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدرك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر ورؤية القلب : ما رآه وعلمه به . فمعنى ذلك : ألم تعلم يا محمد الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف . ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَهُمْ أُلُوفٌ فقال بعضهم : في العدد بمعنى جماع ألف . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، وحدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا وكيع ، قال : ثنا سفيان ، عن ميسرة النهدي ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون ، قالوا : نأتي أرضا ليس فيها موت . حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا ، قال لهم الله : موتوا فمر عليهم نبي من الأَنبياء ، فدعا ربه أن يحييهم ، فأحياهم . فتلا هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن ميسرة النهدي ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون ، فأماتهم الله ، فمر عليهم نبي من الأَنبياء ، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه ، فأحياهم . حدثنا محمد بن سهل بن عسكر ، قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول : أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان ، فشكوا ما أصابهم ، وقالوا : يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه فأوحى الله إلى حزقيل : إن قومك صاحوا من البلاء ، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا ، وأي راحة لهم في الموت أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت ؟ فانطلق إلى جبانة كذا وكذا ، فإن فيها أربعة ألاف قال وهب : وهم الذين قال الله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فقم فيهم فنادهم وكانت عظامهم قد تفرقت ، فرقتها الطير والسباع . فناداهم حزقيل ، فقال : يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل إنسان منهم معا . ثم نادى ثانية حزقيل ، فقال : أيتها العظام ، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم فاكتست اللحم ، وبعد اللحم جلدا ، فكانت أجسادا . ثم نادى حزقيل الثالثة فقال : أيتها الأَرواح إن الله يأمرك أن تعودي إلى أجسادك ، فقاموا بإذن الله ، وكبروا تكبيرة واحدة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قل : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ يقول : عدد كثير خرجوا فرارا من الجهاد في سبيل الله ، فأماتهم الله ، ثم أحياهم ، وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم ؛ فذلك قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ